المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : القانون الدولي وحق الشعب الفلسطيني في فلسطين



احمد العتيبي
11-23-2010, 07:42 PM
القانون الدولي وحق الشعب الفلسطيني في فلسطين



على الرغم من أن الدولة العبرية فرضت وجودها بالقوّة العسكرية والعنف على مدى أكثر من 62 عاماً حتى الآن.


وعلى الرغم مما تحظى به من اعتراف دولي، ومما وقعته من اتفاقيات مع مصر والأردن، وعلى الرغم من مؤتمر مدريد ومفاوضات واشنطن واتفاق أوسلو وصولاً إلى شرم الشيخ.


وعلى الرغم من هرولة بعض الدول العربية للسير على طريق تطبيع علاقاتها بها، وما صحب ذلك من دعاوى "الواقعية".


وعلى الرغم من عضويتها في هيئة الأمم المتحدة ومن قرار التقسيم لعام 1947. ومن ثم سائر قرارات الأمم المتحدة.


فإن الدولة العبرية تظل حتى الآن دولة غير شرعية في نظر القانون الدولي.


هذه الحقيقة أثارتها مجدداً، ومؤخراً، مونيك شيمبي جاندرو البروفيسورة في القانون الدولي في "جامعة باريس دونيه ديدرو" في مجلة "ملتقى المتوسط" لامارتان- باريس، عدد 26، من عام 1998.


علماً أن الموضوع قتل بحثاً من عدد من رجال القانون الدولي منذ صدور قرار التقسيم كما بعد قيام الدولة العبرية وقبولها عضواً في هيئة الأمم المتحدة.


ومع ذلك لا بأس من تجديد تناول الموضوع في المرحلة الراهنة لأن الكثيرين نسوا أن قيام دولة الكيان الصهيوني لم يكن شرعياً، وما زال وجوده غير شرعي من وجهة نظر القانون الدولي.


كان الدافع الأساسي وراء كتابة المقالة، كما يبدو، أو إثارة موضوع شرعية الدولة العبرية وبمساندة أميركا ووسائل الإعلام الدولية أن الفلسطينيين "لن يمتلكوا حقاً على أرضهم إلاّ بإرادة إسرائيل".


وقد اعتبرت هذا الموقف السبب في تعثر المفاوضات حتى الآن، فالعملية السلمية تمضي من خلال "قلب للإشكالية".


علماً أن ما من إجراءات قانونية اتخذت وفقاً للقانون الدولي حتى الآن تجرّد الفلسطينيين من الحق في أرضهم. فالإحتلال العسكري والإستيطان اليهودي غير شرعييْن وإسرائيل نفسها لا تمتلك الشرعية (أو تصبح شرعية) "إلاّ إذا أعطاها الفلسطينيون رسمياً صكاً بذلك. لأن الفلسطينيين وحدهم من يمتلك حق إعطاء هذا الصك بالرغم من العنف الذي منعهم من التمتع به".


يجدر بالذين أسقطوا من حساباتهم ومواقفهم ليس الثوابت الإسلامية في فلسطين فحسب، إنما أسقطوا أيضاً ثوابت الحق العربي والفلسطيني أن يتوقفوا، ولو قليلاً، أمام هذا الرأي الذي يثير عدم شرعية الدولة العبرية من وجهة نظر القانون الدولي بالرغم من أن دوافع صاحبته تهدف إلى تذكير الدولة العبرية بحاجتها إلى عقد معاهدة يتنازل فيها الفلسطينيون لها عن حقهم في فلسطين حتى تصبح في نظر القانون الدولي دولة شرعية.


الأمر الذي يتطلب منها أن تغتنم هذه الفرصة فلا تتصرّف كأنها صاحبة الحق، أو أنها هي التي تعطي الفلسطينيين حق الوجود في فلسطين أو حق إقامة دولة فيها، ومن ثم تخرّب العملية السلمية وتفقد الفرصة السانحة التي هي بأمسّ الحاجة إليها.


ومن هنا لا بدّ من أن يدرك الشعب الفلسطيني، وعلى خلاف ما أرادت الكاتبة، إذا ما ووجِهَ مستقبلاً باتفاقية، أو معاهدة، شديدة الإجحاف بحقه الكامل في فلسطين. وطُلب منه أن يُعلن موافقته عليها من خلال استفتاء أو ما شابه، بأن في يده ورقة قوية جداً وهي أنه وحده الذي يمتلك من وجهة نظر القانون الدولي إعطاء أو عدم إعطاء ذلك الحق للدولة العبرية.


قد يقول البعض إننا لسنا بحاجة إلى القانون الدولي لتأكيد حقنا في فلسطين لأن هذا الحق مكرّس إسلامياً أولاً، ولأنه جزء من ثوابت عروبة فلسطين ثانياً كما أنه مدعوم من خلال التاريخ والحق الفلسطيني ثالثاً وهو من ثوابت ميثاقيْ م.ت.ف لعاميْ 1964 و1968 رابعاً. وهو اعتراض صحيح من حيث الأساس. ولكن ما المانع من أن يأتي القانون الدولي ليؤكدّه ويُثـّبتـه خصوصاً في إقناع، أو إحراج الذين أداروا ظهورهم إلى الإستناد إلى تلك الحقوق تحت دعوى "الواقعية" وأحياناً الحضارية والعصرنة، وأحياناً من خلال الهجوم على الشعاراتية أو خلط السياسة بالمبادئ والثوابت.


والأهم بالنسبة إلى أولئك الذين راحوا يُصدقون أن الدولة العبرية هي صاحبة الحق وبيدها منح الفلسطينيين أو عدم منحهم أيّة حقوق، ثم جعلوا يقبلون بكل ما يُقدّم ولو كان فُتاتاً وقد وصل الأمر إلى أن يعدّوا العدة للتنازل حتى عن القدس الشرقية، وإعطاء الشرعية للإستيطان فوق الأراضي المحتلة بعد الخامس من حزيران 1967.


طبعاً إنه لأمر مؤسف له أن نقرأ عن موقف القانون الدولي من شرعية "الدولة الإسرائيلية" يأتي من بروفيسورة فرنسية، وهي مع التسوية بقدر ما هم مع التسوية، بدلاً من أن يُعلن أولئك لتأخذ الإشكالية وضعها الصحيح بحيث يصبح الحق، ولو افتقر إلى القوّة جدلاً. في فلسطين، كل فلسطين بيد الفلسطينيين وليس بيد الذي اغتصبوا الأرض وأقاموا كيانهم عليها بلا أي وجه حق حتى بمنظور القانون الدولي.


وهذا ما يجب أن يقرع آذان أميركا بالقدر نفسه فلا يُسمح أن تتصرّف كأنها تتكرّم حين ينال الفلسطينيون جزءاً يكاد لا يُذكر من أصل حقهم.


هذا ويجدر التذكير، مرّة ثانية، أن ما سنأتي على ذكره من عرض لمقالة مونيك شيمبي جاندرو كان قد قتِل بحثاً منذ أوائل الخمسينيات من قِبَل مختصين فلسطينيين وعرب بالقانون الدولي. ويكفي أن نذكر هنا كتابات هداوي وهنري كتن ووليد الخالدي وعدد من إصدارات مركز الأبحاث الفلسطيني منذ النصف الثاني من الستينيات. ولكن أهمية تناول الموضوع من خلال المقالة المذكورة يرجع إلى كونها كتبت حديثاً جداً، وفي أجواء عملية التسوية، وإلى كونها تصدر عن أجنبية مراقِبة للعملية السلمية حتى لا يأتي ردّ البعض إن هذا كلام الخمسينيات أو الستينيات أو السبعينيات بمعنى أنه صار "خارج الزمان والمكان".


والآن كيف تعرض الكاتبة موقف القانون الدولي من إشكالية من يملك الحق في فلسطين ومَنْ يُعطي مَنْ شرعية الوجود؟


تقول الكاتبة إن للموضوع جانبين أولهما تطبيق معايير الحق العام لأنه لا يجوز أن تعالج المسألة الفلسطينية بطريقة استثنائية لا تطبق عليها تلك المعايير، وثانياً تقويم المراحل التي مرّت بها ولا سيما مرحلة 1919 ثم مرحلة 1947 وفقاً للقواعد القانونية الدولية بما في ذلك القوانين ذات المفعول الرجعي التي صدرت فيما بعد.
فبالنسبة إلى وعد بلفور 2 تشرين الثاني/نوفمبر 1917 فقد جاء متعارضاً مع مبدأ إزالة الإستعمار. أما من جهة أخرى فإن بريطانيا لم تكن تملك حق السيادة على أرض فلسطين مما يترتب عليه أن ليس لهذا الوعد أي أثر بالنسبة إلى القانون الدولي. ولم يفعل غير تقديمه التشجيع للهجرة اليهودية.
كانت المرحلة الأولى قد تقرّر فيها إعطاء الشعوب في المستعمرات الحق في الحكم الذاتي تمهيداً لمنحهم السيادة الكاملة على أرضهم. والشعب الذي كان موجوداً على أرض فلسطين عام 1919 هو الشعب الفلسطيني. وعرضت الكاتبة لرأي محكمة العدل الدولية، والذي اعتبر نظام الإنتداب في جنوبي غرب أفريقيا لا يعني منح الأرض ولا نقل السيادة إلى سلطة الإنتداب (2تموز/يوليو 1950، رأي استشاري لمحكمة العدل الدولية حول وضع جنوب-غرب أفريقيا). بكلمة أخرى إن حق الملكية باقٍ مبدئياً في أيدي الشعب وممارسته مؤجلة فقط، ومن ثم فهي أكيدة ومضمونة.


على أن عصبة الأمم أدرجت إعلان بلفور في نصّ الإنتداب بالرغم من معارضة تسعة أعشار الشعب الفلسطيني وبهذا جاء ذلك متعارضاً مع شرعية عصبة الأمم. ولكن مع ذلك لم يتحوّل صك الشعب الفلسطيني بحقه في فلسطين إلى طرف آخر.


هذا وترافقت عملية إقامة وطن قومي لليهود بإصدار وعود بإقامة مؤسسات إدارة حرّة واحترام الحقوق المدنية والدينية لكل السكان، ولم تحوّل فلسطين بكاملها إلى وطن قومي يهودي بل بقيت تحت الإدارة المنتدبة فلم تكن هناك حتى بذور لدولة يهودية ولا حتى لدولتين. ولكن الإنتداب البريطاني وفقاً لمبادئ عصبة الأمم كان عليه أن يعزز حقوق الشعب الفلسطيني إلاّ أنه راح يعمل لترسيخ مصالح مجموعة أخرى. إلاّ أن هذا من منظور القانون الدولي لا يحمل إلغاء للحق المبدئي للشعب الفلسطيني في السيادة على أرضه-كامل أرضه. (ويجب أن يُشار هنا إلى عدّة مداخلات قانونية تنقض الطابع الإلزامي لقرارات الجمعية العمومية-1970 كانت أُثيرت بمناسبة النقاشات حول النظام الإقتصادي العالمي الجديد).


يؤكد القانون الدولي أنه منذ 1919 لم يكن للحكومة البريطانية المنتدبة على فلسطين ولا لعصبة الأمم حق إرغام الشعب الفلسطيني التخلي عن حقوقه. ولم يكن حال الجمعية العمومية لهيئة الأمم عام 1947 بمختلف من زاوية القانون الدولي عن حال عصبة الأمم سابقاً أي أن تحرم الفلسطينيين من حقهم الكامل في السيادة على أرضهم.


أما قرار القسيم قرار 181 بتاريخ 29 تشرين الثاني/نوفمبر 1947 والذي "أوصى" بتقسيم فلسطين إلى دولتين فقد أُثيرت حوله اعتراضات قانونية كثيرة من جهة أهلية الجمعية العامة بإصدار مثل هذه التوصية كما أنها غير مؤهلة باتخاذ قرارات من هذا النوع أو تُلزم باحترام هذه القرارات. وما من أهلية للحكومة البريطانية وسائر الدول في تنفيذها. كما لا تمتلك هيئة الأمم المتحدة شأنها شأن عصبة الأمم أيّة صلاحية على أيّة أراض. ولا تملك السيادة على تلك الأرض. وليس للحكومة البريطانية ولا للدول الأخرى حق التصرّف بالسيادة على أرض فلسطين. وإن المنطق القانوني يصطدم هنا، أيضاً، بغياب موافقة الشعب الفلسطيني. وإذا كان بمستطاع الجمعية العامة أن "توصي" بما شاءت لكن إقرار هذه التوصية لا يمكن أن يأتي إلاّ من صاحب السيادة الحقيقي. فالتوصية صالحة لكن المنطق الذي يريد تحويلها إلى معيار وضعي ملزم للجميع غير صالح. وقد استندت "إسرائيل" إلى هذه التوصية لأنها تشكل شهادة ميلادها. ولكنها بالنسبة إلى إشارتها إلى حقوق تاريخية وطبيعته على الأرض راحت تبحث دائماً عن قاعدة لحقوقها في غير نص 1947. بكلمة توصية الجمعية العامة بالتقسيم غير إلزامية من ناحية القانون الدولي فهي تتعلق بموضوع ليس من الصلاحيات الواضحة للجمعية العامة. على أن التطوّر الأهم فقد جاء بعد 1960 إذ أُدين الإستعمار وتحوّل حق الشعوب في الحكم الذاتي إلى قيمة معيارية وحظر أراضي الشعوب التي لم تُحرّر بعد أو قبل حصولها على الإستقلال. فهذه معايير من القانون العام الإلزامي وهي فئة في القانون الدولي يفوق كل الفئات الأخرى (وفقاً لاتفاقية فيينا 29 أيار/مايو 1969).


وتنصّ المادة 64 من اتفاقية فيينا:


"في ظل وجود معيار جديد للقانون الدولي العام تصبح كل معاهدة قائمة متعارضة مع هذا المعيار لاغية ومنتهية".


وهذا المعيار رجعي المفعول. فإن أيّة إجراءات قانونية سابقة تعتبر لاغية إذا مسّت حق الشعوب في الحكم الذاتي وحقهم في كامل أراضيهم الوطنية. وإذا طُبّق هذا المفهوم على القرار 181-قرار التقسيم فإن كل نتائجه تصبح مجمّدة لأنها مشروطة بموافقة الشعب المعني أي الشعب الفلسطيني. بل يدعو هذا المنطق نفسه "إلى التساؤل حول شرعية إلتحاق إسرائيل بهيئة الأمم المتحدة وشرعيتها" فهذا الإلتحاق يعدّ "معاهدة أُبرمت دون مراعاة حق الشعب الفلسطيني" ويدخل في مجال المادة 64 من اتفاقية فيينا 1969 منذ اكتسبت حق الشعوب قيمة إلزامية.


"وهذا يعني أن شرعية إنشاء إسرائيل في القانون الدولي ضمن حدود القرار 181 لا تزال معلقة بموافقة ممثلي الشعب الفلسطيني الذي لا يزال صاحب حق غير منازع".


بيد أن الكاتبة تستدرك هنا لتقول إن الفلسطينيين لا يتمتعون الآن بتقرير حرّ غير محدود، فمفهوم نفاذ المفعول "يجبر على إدراج قانوني للعواقب المترتبة على تاريخ خمسين سنة لإسرائيل".


ولكن الأهم والأخطر قولها: "وإذا ما أُعطيت بعض الإشارات حول القبول بهذا الوضع لا يمكن بعدها التعبير عن إرادة معاكسة لهذه الإشارات. فأهلية الفلسطينيين تصبح مربوطة بالمواقف التي اتخذوها بأنفسهم من جانب واحد إزاء القرار 181 مثل تصريح ياسر عرفات أمام البرلمان الأوروبي في ستراسبورغ في 13 أيلول/سبتمبر 1981، والفقرة 7 من إعلان استقلال دولة فلسطين 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1988.


وبعد فلينبغي لكل من يقرأ هذه الفقرة الأخيرة أن يُدرك خطورة الإعتراف المجاني الذي قدّم بقرار 181 أو بوجود الدولة العبرية في أكثر من مناسبة بل يجب أن يدرك الكارثة التي حدثت مع اتفاق أوسلو وما تلاه من إشارات "توحي" حتى الآن بالتنازل عن الحق الفلسطيني بإعطاء شرعية للدولة العبرية.


وهي إشارات تعتبرها الكاتبة موحية بالتنازل. لكن السيادة لم تنقل حتى الآن رسمياً ولا يمكن أن يحلّ محلها أي عمل أحاديّ الجانب من أي طرف كان. فهذا النقل يحتاج إلى تبادل الموافقة في معاهدة رسمية تتميّز بحسن النيّة. ويكشف اضطراب المجتمع الإسرائيلي عن إحساس هذا الشعب بأن لا وجود لإقرار صلاحية أصله وأصل دولته. فيجب التأكيد على الشروط التي يقتضيها القانون الدولي. وتذكير إسرائيل بأنها هي في موقع "المستجدي". وترى الكاتبة أن قبول الإسرائيليين بهذه المعايير "يساعد الفلسطينيين على قطع الطريق أمام تصاعد التطرّف والأصولية"!!


المهم يجب أن نُدرك أننا من حيث الحق في الموقع الأعلى ليس من الزاوية الإسلامية والعربية والوطنية فحسب وإنما أيضاً من زاوية القانون الدولي.




منقول