المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العالم ضيعة كبيرة لتسمين المشروع التوسعي الامريكي


احمد العتيبي
08-26-2010, 07:38 AM
العالم ضيعة كبيرة لتسمين المشروع التوسعي الامريكي

محمد الكرافس
8/26/2010


حوار الحضارات هو خلاصة مجموعة من المقالات والأبحاث التي قام بها المفكر المغربي د.المهدي المنجرة قبل عقود لما كان يومئذ مسؤولا في الأمم المتحدة، وهو استباق فكري من مفكر المستقبليات الذي ينتمي إلى ثقافة دولة من دول الجنوب، وهو كذلك المشروع الفكري الذي يتضمن الحفاظ على مقومات كل ثقافة دون الانصهار الكلي في ثقافة أخرى حيث تصير القيم نهجا للتقدم بالتوازي دون التدخل في خصوصيات الآخر.

لكن الغرب عقب انهيار المعسكر الشرقي كان له رأي آخر، حيث انه منذ 1993 بدأنا نسمع بنظرية صدام الحضارات وهو مذهب أطلقه المفكر الأمريكي صموئيل هتنغتون ليعبر عن الأفق المسدود الذي وصل إليه العالم بعدما أجهزت الرأسمالية على نظيرتها الاشتراكية المتمثلة في انهيار القطب الشرقي بزعامة الاتحاد السوفياتي آنذاك. وها هو العالم اليوم بزعامة أمريكا صار عبارة عن ضيعة كبيرة لتسمين المشروع التوسعي الأمريكي. والمقصود بالتوسعي هنا ليس التوسع الجغرافي الفيزيقي كما كان سابقا خلال عصر ما بعد النهضة الأوربية الذي استعمرت فيه الدول الغربية مناطق في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية؛ ولكن هو امتداد من نوع جديد للأنا الغربية في إحداثيات الآخر بحيث يصير اللباس والتغذية والأدوية وحتى السلاح تموضعا للغرب في هوية هذا الآخر المتخلف الذي لا ينتج شيئا بحكم مجموعة من العوامل الداخلية بالأساس.

الصدام ما بين الحضارات الذي تحدث عنه هتنغتون ما هو إلا تنظير لبزوغ السيطرة الأمريكية بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. وهذا النوع من التفكيرهو إلى حد بعيد الدور نفسه الذي كان يلعبه الاستشراق لتدجين المجتمعات الشرقية، ولأجل خلخلة بنية الوعي لديها وتطويعها. وما كنا نسمعه في الغرب من تنظير للتفوق الغربي لا أساس له لا بيولوجيا ولا أنتربولوجيا، وهو تنظير عرقي عنصري في سبيل تكريس مزيد من الفشل في دول (العالم الثالث)، وتحسيس الإنسان المنتمي إليها بدونيته وعدم أهليته للقيادة، وهي كلها تنظيرات تمييزية لبقاء الامبريالية الجديدة وإطالة عمرها في السيطرة على العالم والاستفادة من الثروات قدر الإمكان.

لكن هذا المنظور العنصري سرعان ما تم الانقلاب عليه من خلال مجموعة من الكتاب والأكاديميين مثل المفكر الفلسطيني- الأمريكي إدوارد سعيد الذي فضح الدور التخريبي للاستشراق، فاستجابت لهذه الكتابات بعض المؤسسات الغربية تحت الضغط وحولته إلى' الاستعراب' وهذا النوع من الصمود مطلوب من المفكرين والعلماء المسلمين والعرب بدل الانصياع وراء التنظريات الغربية التي وإن كانت تقدم للبشرية نهجا علميا رصينا عن وعي ، فإن بعضها عن وعي كذلك يقدم مناهج فكرية غير بريئة أحيانا لترويض مناطق غير خاضعة للتبعية الغربية بحيث يصير الفكر وعاء وغطاء لشرعنة الممارسات السياسية المختلفة.

فالحركات الإسلامية التي ظهرت في العالم العربي والإسلامي على أنقاض المشروع القومي والعروبي المنهار أعطت توجها جديدا لقطبية العالم نحو محاربة الإسلام، خاصة بعد أحداث 11 شتنبر (ايلول) وهي البؤرة التي مازالت تبعاتها إلى اليوم تؤثث فضاء التكالب الغربي على الإسلام، لما في هذا الأخير من قوة ودعوة إلى العدل حتى أنه يمكن طرح سؤال عريض على أنفسنا وعلى الآخر: كيف نجح الغرب في امتحان الازدهار والرخاء الاقتصادي والفكري بقوانين وضعية يريد عولمتها وتصديرها إلينا، في حين لازالت أمة العرب والمسلمين تغرق ذاتها وتحارب وجودها بأسلحة الجهل، وهي التي تمتلك القرآن الكريم كأسمى دستور للعدل والكرامة الإنسانية على الإطلاق بشرط أن يتم استثمار تعاليمه لصالح الشعوب وليس في تحوير معانيه وليّ أعناق النصوص الدينية؟.

إنه السؤال الوجودي الحقيقي الذي لا إجابة له إلا إذا رأينا العلماء والمفكرين والأكادميين يقومون بدورهم الحقيقي وليس الصوري كأنهم في متاجر الجمود. والغريب هو حينما يُنظِّر بعض هؤلاء العلماء الذين قال عنهم الحبيب صلى الله عليه وسلم: "إن العلماء ورثة الأنبياء" بغير ما يقوله النص الديني مثل فتوى طنطاوي بجواز بناء سور على حدود غزة. أي منطق هذا الذي يبيح حصار مليون ونصف والتواطؤ مع العدو؟

نعم ورثة بالمفهوم العقلاني الذي يعني المحافظة على الدين والتصدي للفكر الغربي التخريبي للعقيدة وحمايته من الاستغلال لمصلحة الحكام بحيث يكون العالِم حكما وحاميا للإرث الديني والعلمي الرمزي الملقى على عاتقه.

إن مصيبة العرب والمسلمين في ظل عولمة الفكر التي تنتهجها الامبريالية الجديدة هي في امية شريحة واسعة منهم في ظل إعاقة نمو الأفكار وتداولها، ثم في سوء فهمهم لدينهم. وهناك اليوم، على الصعيد العالمي، بؤر حقيقية لقوة الدين الإسلامي وعزته قد لا تظهر في بلد عربي بحكم عدم توفر شروط الأرضية الصالحة لذلك، وهي الديمقراطية والعدل والكرامة، حتى أنه قيل من بعض السلف أن "الله ينصر الدولة العادلة ولو كانت كافرة ولا ينصرالدولة الظالمة ولو كانت مؤمنة".

الإيمان نعم لكن يجب أن نجني ثماره وأن نلمس جدوى التدين كسلوكيات قويمة تنعكس في الشارع وفي الحياة اليومية للناس، لا أن يُجمَّد الدين ويتم حصره في شعائر وعبادات، لأن وضع سبحة الإيمان في يد والاستبداد والظلم في اليد الأخرى هو التناقض بعينه، والظلم حرَّمه الله سبحانه وتعالى على نفسه، فكيف له أن يقبله على الأرض من عباده؟

لقد نجح الغرب فيما مضى لأنه اهتدى إلى العلم عبر ترجمة الفكر العربي الإسلامي انطلاقا من الأندلس وبنيت أسس التقدم الغربي بمقومات داخلية كالثورة على القمع الكنسي والإقطاع لإقامة العدل وفي نفس الوقت نهل من الجوار، من الحضارة العربية الإسلامية ومن الحضارة الإغريقية وهما رافدان أسياسيان لنهضة أوروبا. أما خلاص العرب والمسلمين فهو في التصدي للأفكار المعولمة التي تغزو مجتمعاتنا ، ثم في الرجوع إلى القرآن ليس كنص يقرأ في المناسبات والمساجد ولكن كنص إلهي ارتضاه الله لنا ليكون مصدرا للتشريع، ولينوِّر العقول ويحبس السلوكيات التي من شأنها الإخلال بوجودية الإنسان (بالمفهوم الإسلامي وليس حسب وجودية سارتر أوهايدغر).



* كاتب وباحث من المغرب